آخر التعليقات

الاثنين، 26 نوفمبر، 2012

التطور التاريخي للقضاء الإداري في الجزائر :


التطور التاريخي للقضاء الإداري في الجزائر

مُساهمة 




قبل دراسة مجلس الدولة الجزائري المنبثق عن النظام القضائي المزدوج الذي كرسه دستور 18/11/1996 (3), يتعين علينا أن نمر و لو بصفة وجيزة للهيئات القضائية المختصة بالفصل في المنازعات الإدارية في الفترة السابقة عن إنشاء مجلس الدولة وسنخصص مطلبين للمراحل السابقة عن 1996 ثم مطلبا مستقلا حول نشأة مجلس الدولة.

المطلب الأول : القضاء الإداري أثناء الفترة الإستعمارية (قبل 1962):

ويمكننا أن نجزىء هذه الفترة إلى ثلاث مراحل . كل مرحلة نخص لها فرعا .
الفرع الأول : تطبيق قضاء المظالم في الجزائر إلى غاية 1830.
الفرع الثاني : الفترة الممتدة من 1830 إلى 1848 .
الفرع الثالث : المرحلة الممتدة من 1848 إلى غاية 1962.

الفرع الاول : تطبيق قضاء المظالم في الجزائر الى غاية 1830 :

عرفت الجزائر نظام قضاء المظالم(4) و طبقته في العهد الإسلامي إلى غاية الإحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830 , وكان حكام الجزائر ينظرون في المظالم ويسلمون بأن هذه الوظيفة هي من صلب وظيفة الإمارة بعد ولاية وقيادة الجيش (5) .
----------------
(1) : ابراهيم المنجي . المرجع السابق . ص 15 .
(2): أ.عمور سلامي. محاضرات في المنازعات الإدارية. جامعة الجزائر. كلية الحقوق بن عكنون السنة الجامعية (2002 - 2003) ص 1.
(3) : راجع :- . أ . د ماجد راغب الحلو .المرجع السابق. ص 69 ,70 .
- أ . د محمد الصغير بعلي .المرجع السابق . ص 5 وما بعدها.
(4) : د . عمار عوايدي . المرجع السابق . ص 158
(5) : د . سيمان محمد الطماوي . القضاء الإداري . الكتاب الأول . قضاء الإلغاء . دار الفكر العربي.سنة 1986 .ص 13.

إبتدائيا, و يطعن في أحكامها باالإستئناف أو النقض أمام مجلس الإدارةالذي أنشىء عقب الإحتلال مباشرة.
لكن بعض الحكام كانوا ينظرون في المظالم بحسب أهوائهم لا سيما في آخر العهد التركي في الجزائر , فكان المواطنون يحجمون على تقديم تظلماتهم للسلطات التركية ضد الموظفين الذين اعتدوا على حقوقهم , إلا أن ولاية الأمير عبد القادر , تركت صفحة مشرقة في هذا المجال . حيث تولى بنفسه قضاء المظالم وكانت أحكامه نهائية لا تقبل أي طعن فيها , و بذلك تكون الجزائر قد عرفت في هذه الفترة الرقابة القضائية المتمثلة في قضاء المظالم على أعمال الإدارة , حيث كان ديوان المظالم يختص بعملية النظر و الفصل في المنازعات الإدارية في الجزائر ألى غاية الاحتلال الفرنسي لها عام 1830.

الفرع الثاني : الفترة الممتدة من 1830 إلى غاية 1848:

منذ دخولها إلى الجزائر , حاولت فرنسا طمس معالم الشخصية الجزائرية في جميع جوانبها سواء من حيث اللغة أو الدين أو... . فراحت تسن تدريجيا تشريعات و تنظيمات سعيا منها إلى نقل تشريعاتها ونظمها الإدارية و القضائية إلى الجزائر بهدف القضاء على المنظومة القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية (4) , وذلك برغم تعهدها باحترام هذه المنظومة .
ابتداءا من 1830 , طبق نظام وحدة القضاء و القانون في الجزائر , حيث كانت المحاكم العادية هي التي تختص بعملية النظر و الفصل في كل الدعاوى و المنازعات الإدارية و العادية
كانت لمجلس الإدارة إختصاصات إدارية في المالية العامة و الإدارة و الشؤون الأمنية و العسكرية باعتباره هيئة تنسيقية للإدارة العامة الفرنسية في الجزائر.
وكان مجلس الدولة في باريس يرفض قبول الطعون بالإستئناف و النقض ضد قرارات مجلس الإدارة بحجة غياب النص القانوني الذي يعطيه هذا الإختصاص وقد برز ذلك جليا في قضية كابي cappé))(1).
وقد أكد اختصاص مجلس الإدارة بالمنازعات الإدارية ابتداءا و انتهاءا بصدور أمر في 10/08/1834 الذي حوله إلى جهة اختصاص بالمنازعات الإدارية , و يفصل كذلك في تنازع الإختصاص بين جهتي القضاء العادي و الإداري , وكان مجلس الإدارة يغلب امتيازات ومصالح الإدارة و السلطات العسكرية على حساب أحكام القانون و العدالة , إلى حد نزع ملكية الأراضي من الجزائريين و منحها للفرنسيين لتعزيز وجودهم بالجزائر (2).
----------------
(1): راجع تفاصيل القضية: د. عمار عوايدي. المرجع السابق. ص 162.
(2): أ. د. عمار بوضياف.القضاء الإداري في الجزائر بين نظام الوحدة و الإزدواجية. المرجع السابق . ص23

بموجب الأمر الصادر في : 15/04/1845 تحول مجلس الإدارة إلى مجلس المنازعات , و الذي يطعن في قراراته أمام مجلس الدولة الفرنسي , و حاول مجلس المنازعات الحد من تعسف الإدارة إلا أن الضغوط الممارسة عليه منعت ذلك .
في عام 1847 تم إنشاء ثلاث مجالس مديريات (1) على غرار مجالس الأقاليم الفرنسية :
-مجلس المديرية بوهران.
-مجلس المديرية بقسنطينة.
-مجلس المديرية بالجزائر.
وقد إتصف عملها بالتحيز للإدارة, وكانت أهم المنازعات التي تدخل في اختصاصها مناعات الضرائب.
طوال هذه المرحلة طبق في الجزائر نظام وحدة القضاء و القانون حيث عرفت بمرحلة الإدارة القاضية, ولم تعرف وجود جهة قضائية للمنازعات الإدارية.

الفرع الثالث : المرحلة الممتدة من 1848 إلى غاية الإستقلال 1962:

-مرحلة الإزدواجية القضائية و القانونية -:
بعد قيام ثورة 1848 م بفرنسا, أصبحت الجزائر خاضعة لنظام ازدواجية القضاء و القانون الفرنسيان حيث تم إنشاء مجالس العمالات في وهران و الجزائر العاصمة و قسنطينة لتمارس نفس صلاحيات مجالس المديريات في فرنسا وهي تتألف من نفس عدد الأعضاء (2) كما يطعن في قراراتها أمام مجلس الدولة الفرنسي وقد شهد القضاء الإداري إصلاحات لاسيما سنة 1926 لكنها لم تطل.
بموجب قوانين و مراسيم 30/11/1953 تحولت مجالس إلى العمالات إلى محاكم إدارية وفي عام 1956 م تمت إعادة التنظيم الإقليمي للجزائر و ظلت الجزائر ترزح تحت الأحكام الإستثنائية و قواعد الحرب , وكان اختصاص القضاء المشترك في المواد الإدارية متماثلا في كل من الجزائر و فرنسا ماعدا استثنائين : الأول متعلق بنظام الأراضي الذي نظمه مرسوم 26/03/1956 و الثاني متعلق بنزع الملكية الذي نص عليه مرسوم 25/04/1956 وعموما, فقبل الإستقلال لم يكن للجزائر نظام قضائي أصيل , بل كان يسود فيها نظام غريب عمل على حماية الإدارة الإستعمارية و خدمة مصالحها , فكان دور جهات القضاء الإداري الفرنسي في الجزائر محدودا , بل منعدما في حماية القانون و العدالة و حماية حقوق المواطن و حرياته (3) , لكن هذا لم يمنع الفقه من إعتبار هذه المرحلة , مرحلة الإزدواجية القضائية و القانونية في الجزائر.
----------------
(1) : تم إحداث هذه المجالس عمليا بموجب القرار المؤرخ في 08/12/1948 وكانت مبدئيا خاضعة لذات القواعد المطبقة في فرنسا. لتفصيل أكثر .(2) : راجع أحمد محيو. المرجع السابق ص 13 .
(2): كانت المجالس في البداية تتألف من خمسة أعضاء بالنسبة لمحافظة الجزائر وأربعة لكل من مجلسي وهران و قسنطينة و بموجب مرسوم 25/03/1865 تم تخفيضها جميعا إلى ثلاثة أعضاء .. أحمد محيو .المرجع السابق ص13.
(3) : د . عمار عوايدي . المرجع السابق . ص166.

توالت عدة مراسيم كانت تهدف إلى تعديل دائرة الإختصاص المحلي للمحاكم الإدارية , نذكر منها :
- المرسوم المؤرخ في : 28/06/1956 .القاضي بإعادة التنظيم الإقليمي في الجزائر .
-القانون المتعلق بإجراءات المحاكمات الإدارية (القانون الصادر في 31/08/1959), الذي طبق في الجزائر بموجب المرسوم الصادر في 31/08/1959 .
ظلت هذه القوانين و المراسيم سارية المفعول إن لم نقل كلها فالأغلب منها حتى أثناء الفترة الانتقالية و التي ستتعرض لها في مطلب مستقل .

المطلب الثاني : المرحلة من 1962 إلى غاية 1996 :

نظرا لطول هذه الفترة , و توالي الإصلاحات فيها , والتي أثرت على هيكلة النظام القضائي من جهة و على الطبيعة القانونية للنظام القضائي من جهة أخرى , إرتأينا تقسيم هذه الفترة إلى مرحلتين أساسيتين نفرد لكل منهما فرعا.

الفرع الأول : المرحلة من 1962 إلى غاية 1965:

من الإستقلال إلى غاية الإصلاح القضائي لعام 1965 :
لقد قضى القانون رقم 62- 153 المؤرخ في :31/12/1962 باستمرارتطبيق التشريع الفرنسي الا ما يتنافى منها مع السيادة الوطنية و باستعادة الجزائر استقلالها ، استردت سلطتها في ممارسة العدالة والتي أصبحت احكامها بموجب الأمر المؤرخ في: 10/07/1962 المتعلق بالصيغة التنفيذية تصدر باسم الشعب الجزائري مما نجم عنه أن تخلي الهيئات القضائية الفرنسية و بصورة أساسية مجلس الدولة و محكمة النقض عن المنازعات التي يختص بها النظام القانوني الداخلي الجزائري وتقرر بموجب بروتوكول 28/08/1962 بين الجهاز التنفيذي المؤقت (1) و الحكومة الفرنسية مايلي:
-شطب القضايا القائمة – أمام الهيئات القضائية الفرنسية – بتاريخ 28/08/1962 إذا كانت تخص الدولة الجزائرية أو هيئاتها أو مؤسساتها العامة.
-تطبيق ذات الإجراءات على القضايا المماثلة القائمة أمام الهيئات القضائية الجزائرية و كنتيجة تهمنا لم يعد مجلس الدولة الفرنسي جهة إستئناف للقرارات الصادرة عن المحاكم الإدارية الجزائرية , كما أنه أي المجلس لم يعد بإمكانه نظر دعاوى الإلغاء ضد القرارات التنظيمية الصادرة عن السلطات الجزائرية مما دعى إلى ضرورة إحداث هيئة قضائية إدارية عليا في الجزائر,
----------------
(1): أحمد محيو . المرجع السابق . ص 27 .

وفي ظل الفترة الإنتقالية من 62إلى 65 تأرجح النظام القضائي الجزائري بين نظام الوحدة و الإزدواجية القضائية و القانونية(1) .
أبقت الجزائر المستقلة على نظام المحاكم الإدارية الثلاثة بوهران و الجزائر العاصمة و قسنطينة بكل تفاصيل النظام القانوني الموروث عن فرنسا و تحت إشراف خبراء فرنسيين متخصصين في نظام القضاء الإداري , إلى جانب المحكمة الإدارية بالأغواط التي لم تباشر مهامها , و أصبحت المحكمة العليا التي تم انشاؤها بموجب قانون 63/218 المؤرخ في 18/06/1963 محكمة نقض للمنازعات العادية والادارية .
المنازعات العادية و الإدارية قد كانت هناك مبررات عديدة للإحتفاظ بالمحاكم الإدارية, من بينها خصوصية المنازعات الإدارية و خطورة إحالتها على القاضي العادي , إضافة إلى أن إنشاء مجلس للدولة كان يتطلب قضاة على درجة كبيرة من التخصص (2) . كما أن الدولة الجزائرية أرادت أن تظهر للعالم أنها في غنى عن النظام القانوني الفرنسي , إضافة إلى أن إحداث مجلس للدولة يتطلب إحداث محكمة للتنازع لتفصل في تنازع الإختصاص بين القضاء العادي و القضاء الإداري , وهذا كان أمرا مستحيلا في ظل تلك الظروف غداة الإستقلال نظرا لما خلفته هجرة القضاة الفرنسيين من خلل في عمل المحاكم الإدارية .
ويرى الأستاذ أحمد محيو أن المشرع الجزائري اعتمد في هذه الفترة مبدأ ازدواجية الأنظمة القضائية المطلق في القاعدة الذي كان يتعايش مع وحدة الهيئات القضائية المطبق في القمة.

الفرع الثاني: من مرحلة الإصلاح القضائي 1965 إلى غاية 1996:

تميزت هذه المرحلة بعدة إصلاحات و تعديلات نقسمها إلى عدة نقاط.
1- بصدور الأمر المؤرخ في 16/11/1965 : تكفل المشرع بإعادة تنظيم الهيئات القضائية الدنيا و إلغاء المحاكم الإدارية الثلاث(3) ونقل إختصاصاتها إلى المجالس القضائية و بذلك يكون هذا الأمر قد وضع حدا لإزدواجية الهيئات القضائية على المستوى الأدنى للتنظيم القضائي , وفي ذات يوم صدور المرسوم 65-278 صدر مرسوم قضى بأن المجالس القضائية يمكن أن تتشعب إلى عدة غرف من بينها الغرقة الإدارية , وعلى الهيئات القضائية الجديدة أن تطبق في الفصل في القضايا الإدارية القواعد النافذة امام المحاكم الإدارية القديمة . و تلاحقت النصوص القانونية الإجرائية التي تؤكد و تدعم تطبيق نظام وحدة القانون و المتمثل بقانون الإجراءات المدنية الصادر بموجب الأمر رقم 66 -154 المعدل و المتمم بموجب قوانين لاحقة .
و بذلك تكون الجزائر قد تبنت نظام وحدة القضاء و القانون و لكن بنوع من المرونة (4) حيث تم انشاء الغرف الإدارية على مستوى المجالس القضائية و الغرفة الإدارية على مستوى المحكمة العليا.
----------------
(1): د . عمار عوايدي . المرجع السابق . ص 168.
(2) : أ. د عمار بوضياف . القضاء الإداري في الجزائر بين نظام الوحدة و الإزدواجية . المرجع السابق ص 26 .
(3) : المادة 05 من الأمر رقم 65 -278 –المؤرخ في 16/11/1965 .
(4) : د . عمار عوابدي . المرجع السابق ص 17 .

أما فيما يخص طبيغة النظام القضائي الجزائري في هذه الفترة , فقد ظهرت عدة إتجاهات :
-إتجاه يؤيد فكرة القضاء الموحد ومن بينهم السيد محمد بجاوي الذي كان وراء الإصلاح القضائي لسنة 1965 م بصفته وزير العدل (1) , و كذلك الدكتور عوابدي عمار , و اتجاه يعتبره شبيها بالنظام الأنجلوسكسوني, فضلا عمن يرون فيه معالم الإزدواجية , إلا أن الكثير من الدراسات المتخصصة في العالم , ترى وجود نظام توفيقي بين القضاء الموحد و نظام القضاء المزدوج (2) وهو: " نظام القضاء الموحد مع التفريق بين المنازعات " و هذا الرأي يؤيده الدكتور عمار بوضياف هو نظام يعهد للغرف الإدارية الموجودة داخل الهرم القضائي العادي , الفصل في المنازعات الإدارية دون أن يتضمن استقلال المحاكم الإدارية , وهو نظام فيه تبسيط لنظام التقاضي , كما يفيد في تفادي مشكلة تنازع الأختصاص بين القضاء الإداري و القضاء العادي.
و بتقييم إصلاح 1965 نلاحظ مايلي:
- عدم انسجام آليات و هياكل المنازعات العادية و المنازعات الإدارية حيث أن هذه الأخيرة تفصل فيها3 مناطق فقط:الجزائر, وهران، قسنطينة مقارنة بالمنازعات العادية التي تعرف توسعا كبيرا.
- قلة عدد القضاة المتخصصين الأكفاء, وذوي الخبرة في مجال القضاء الإداري جعل المشرع يقصر جهات القضاء الإداري على 3 مناطق.
- قلة الإعتمادات المالية في فترة كانت تعاني الدولة فيها تحديدا في مواردها المالية لم يكن يسمح لها بتوسيع الغرف الإدارية.
- تأثر المشرع الجزائري بالتجربة الفرنسية من حيث اقتصاره في بداية الأمر على عدد من المحاكم الإدارية.
ويعاب على إصلاح 1965 أنه لم يجسد مبدأ تقريب العدالة من المتقاضين في المنازعات الإدارية .
2-تعديل قانون الإجراءات المدنية سنة 1971 :
صدر الأمر 71 – 80 المؤرخ في 29/ 12/1971 ليعدل قانون الإجراءات المدنية , لكنه لم يأت بجديد على مستوى هياكل المنازعات الإدارية , لكن بمقتضى هذا الأمر , تم تمديد إختصاص الغرف الإدارية الثلاث إلى عدة ولايات مجاورة لكل منها , وفي مجال الإجراءات فإن القاضي الإداري كان مكلفا بالأمر بإجراءات التبليغ , وإجراء التحقيق وتحضير الحكم , خلافا للدعاوى المدنية التي يقدم الأطراف فيها البينة .
3-صدر ميثاق 76 و دستور 76 , ولم يعنيا بإعادة هيكلة النظام القضائي و تنظيمه و ترتيبه وانصب اهتمامهما بالتكوين الأيديولوجي للقاضي, ليكون آداة لحماية الثورة الإشتراكية و تحقيق أهدافها , واعتبر د 76 القضاء وظيفة (3) وبالتالي لم يكن من المتصور في ظل هذه الفترة أن يستقل القضاء الإداري بهياكله و تنظيماته (4) .
----------------
(1): خلوفي رشيد . المرجع السابق. ص 37.
(2): أ . عمار بوضياف. القضاء الإداري في الجزائربين نظام الوحدةوالإزدواجية. المرجع السابق. ص 34.
(3): أحمد محيو . المرجع السابق ص 73 .
(4): أ . د عمار بوضياف . القضاء الإداري الجزائري بين نظام الوحدة و الإزدواجية . المرجع السابق ص 41.

4- بموجب المرسوم رقم 86- 107 المؤرخ في 29/04/1986 ارتفع عدد الغرف الإدارية إلى 20 غرفة بعد أن تدخل المشرع ليعدل المادة 07 من قانون الإجرءات المدنية مرة أخرى (1) , وهذا بعد أن رفع القانون رقم 84 -13 المؤرخ في 23/06/1984 و المتعلق بالتقسيم القضائي عدد المجالس إلى31 مجلسا , وبهذا يكون المشرع الجزائري قد وحد التنظيم القضائي في الجزائر في شكل هرم على رأسه المحكمة العليا كمحكمة قانون عدى اختصاص الغرفة الإدارية منها فتعد محكمة موضوع(2).
إذاكانت الزيادة في الغرف الإدارية تجسد فكرة تقريب القضاء الإداري من المتقاضين, إلا أنه قد ثار تساؤل بشأن المعيار الذي إعتمده المشرع ليقصر إختصاص غرفة ما على منازعات ولاية أو ولايتين في حين حرم بعض المجالس القضائية من تشكيل غرفة إدارية, فهل المعيار كان الكثافة السكانية, أم بعد المسافة ؟
يرى الأستاذ الدكتور عمار بوضياف أن كلى المعيارين مردود عليهما, ويتساءل لماذا ضيق المشرع من نطاق إختصاص الغرف الإدارية على مستوى مجالس كل من الجزائر, وهران, و قسنطينة, و قصرها على إقليم هذه الولايات فقط.
في ظل هذه الإصلاحات ثار أيضا تباين في الآراء بين أساتذة القانون حول طبيعة النظام القضائي الجزائري فمنهم وصفه بنظام وحدة القضاء المرن و المنطقي و هذا رأي الأستاذ عمار عوابدي , ومنهم من رأى أنه نظام مختلط و آراء أخرى .
5-الإصلاح القضائي لسنة 1990:أولت نصوص دستور 1989 أهمية إستثنائية إلى حقوق و حريات المواطن و طرق حمايتها وأوكل إلى الجهاز القضائي بهذه المهمة وقد اختصت الغرف الإدارية سواء على مستوى المحكمة العليا اوالمجالس القضائية، بجانب من هذه الحماية القضائية التي توفرها للمواطن في مواجهة حالات تجاوز الإدارة لسلطاتها وقد جاء التعديل الجديد لقانون الإجراءات المدنية بموجب القانون رقم 90-23 لسنة 1990 ليعزز دور الغرف الإدارية فتضمن هدا القانون المؤرخ في 18/08/1990 تغييرا على مستوى الإختصاص القضائي للغرف الإدارية بالمجالس القضائية(3) كما تضمن تغييرا على مستوى الإجراءات.بقصد تقريب العدالة من المواطنين. بصدور هذا القانون, أثيرت إشكالية حول طبيعة هذه الغرف الإدارية .
----------------
(1) : أ . د عمار بوضياف . المرجع نفسه. ص 41 .
(4) : تم تعديل المادة 07 من قانون الإجراءات المدنية بموجب القانون رقم 86-01 المؤرخ في 28/ 01/1986 .
.(2) : عمور سلامي . المرجع السابق .ص 03 .
(3): بالتحديد مس التعديل م 07 من قانون الاجراءات المدنية . لتفصيل أكثر راجع مقال الدكتور رياض عيسى . ملتقى قضاة الغرف الإدارية . الديوان الوطني للأشغال التربوية . 1992.

فاختلفت آراء الفقهاء من بينهم الدكتور حسن بسيوني الذي يرى أن التنظيم القضائي الجزائري يأخذ بمبدأ إزدواجية القضاء, إلا أن كل هذه الآراء تتفق على وجود نظام القضاء الإداري ممثلا في الغرف الإدارية مع إزدواجية المنازعات و قد صنف إصلاح 1990 المنازعات الإدارية إلى ثلاثة أصناف -منازعات تخضع للغرف الإدارية المحلية على مستوى جميع المجالس القضائية (1).-منازعات تخضع للغرف الإدارية الجهوية الموجودة في كل من الجزائر, وهران قسنطينة , ورقلة و بشار(2).غرفة إدارية بالمحكمة العليا تمارس مهمة نقض واستئناف في ذات الوقت(3), إضافة إلى كونها تقضي ابتدائيا ونهائيا في بعض المنازعات ( قاضي أول و آخر درجة ) (4).لقد سعى المشرع من خلال إصلاح 1990 إلى لامركزية دعوى الإلغاء و تبسيط إجراءات التقاضي. في 08/01/1991 صدر قانون رقم 91/02 يتضمن الأحكام الخاصة بتنفيذ أحكام القضاء المقضي بها لصالح الافراد و المتضمنة إدانات مالية للدولة وبعض الهيئات حيث خصص حساب ( تخصيص خاص رقم 038 -302 ) ليدعم تنفيذ الأحكام الإدارية المتضمنة إدانات مالية للدولة لتمكين الأفراد من تنفيذ القرارات الإدارية التي لصالحهم .كملاحظة فقد كانت الغرفة الإدارية تعطي آراء إستشارية في المسائل القانونية عند لطلب (5).
كما يلاحظ على هذه المرحلة أن أحكام القضاء الجزائري في مجال مسؤولية الدولة عن الأضرار لتي سببتها أعمالها كانت قليلة و محدودة مقارنة بالقضاء الفرنسي وذلك لجملة من الأسباب أهمها : فقدان القضاء الجزائري لروح الإقدام و الجرأة على مواجهة السلطة الإدارية .
- عدم وجود جهة قضائية متخصصة فنيا في منازعات القضاء الإداري.
-عدم الوعي لدى الأفراد بحقوقهم في مواجهة السلطة الإدارية .
----------------
(1) : المادة 07/2 من قانون الإجراءات المدنية بعد تعديل 90.
(2) : المادة07/1.
(3) : المادة 277 من قانون الإجراءات المدنية بعد تعديل 90.
(4) : المادة 10من ق 90 -23 التي تعدل المادة 274 من قانون الإجراءات المدنية و المادة 277 من ذات القانون .
(5) : إبراهيم مامن . نشرة القضاة . العدد 45. دون سنة نشر.

المطلب الثالث : إنشاء مجلس الدولة :
الفرع 1:

تعريف مجلس الدولة الجزائري:يعتبر مجلس الدولة الجزائري مؤسسة دستورية استحدثها دستور 1996 حيث نص في المادة 52 منه على ايلي : " ... يؤسس مجلس دولة كهيئة مقومة لأعمال المجالس القضائية و المحاكم.
تضمن المحكمة العليا ومجلس الدولة توحيد الإجتهاد القضائي في جميع أنحاء البلاد و يسهران على إحترام لقانون ..." .
كما استحدث الدستور من خلال ذات المادة محكمة تنازع :" تؤسس محكمة تنازع تتولى الفصل في حالات تنازع الإختصاص بين المحكمة العليا و مجلس الدولة " , بذلك تكون هذه المادة قد أعلنت دخول البلاد في النظام الازدواجية (1) حيث يكون مجلس الدولة الهيأة الوطنية في النظام القضائي الإداري , مقابل المحكمة العليا في النظام القضائي العادي ومستشارا للسلطة الإدارية المركزية(2) إلى جانب دوره الرئيسي كمحكمة إدارية عليا .وقد عرفنا من خلال تعرضنا لنظام القضاء الإداري في كل من فرنسا ومصر , وجود هيئة قضائية إدارية تسمى " مجلس الدولة " إلا أن مفهوم مجلس الدولة في الجزائر , يشبه إلى حد كبير مفهوم مجلس الدولة الفرنسي (3) باعتبار هذا الأخير قمة الهرم القضائي الإداري في فرنسا , أما مجلس الدولة المصري فكلمة مجلس الدولة تشمل كل الجهات القضائية الإدارية , وسيتضح لنا ذلك أكثر عند التعرض لتشكيلة هذا المجلس .قد نصت المادة 153 من دستور 1996 أن يحدد قانون عضوي تنظيم مجلس الدولة وعمله واختصاصه ,وقد تم تبرير تبني أسلوب القضاء المزدوج في الجزائر , في الكلمة التي ألقاها وزير العدل خلال اجتماع مجلس الوزراء حول مشروع القانون العضوي المتعلق بصلاحيات تنظيم وسير مجلس الدولة حيث أشار إلى أن الجزائر قد إختارت بعد الإستقلال نظام وحدة القضاء, لكنه و نظرا للممارسات القضائية , وارتفاع عدد القضايا الإدارية الناتجة عن التحولات الإجتماعية و الإقتصادية أصبح من الضروري مراجعة هذا النظام القضائي و العمل بنظام قضائي مزدوج(4).
----------------
(1): أ. د. عمار بوضياف . القضاء الإداري في الجزائربين نظام الوحدة و الازدواجية . المرجع السابق ص 52.
(2): أ.د. محمد الصغير بعلي . المرجع السابق ص 29 .
(3): أ. خلوفي رشيد . المرجع السابق ص 134 .
(4): أ. خلوفي رشيد . مقال النظام القضائي الجزائري " مجلس الدولة"مجلة الموثق . العدد 02 . جويلية . أوت 2001 ص 28.

كما جاء في الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية بمناسبة افتتاح السنة القضائية (1) :" ... إن تكييف و تعزيز نظامنا القضائي الذي أجري مؤخرا بإقامة مجلس الدولة و تقريب العدالة من المواطن ... هي كلها إجراءات تهدف إلى تحديث الجهاز القضائي ... إن إقامة مجلس الدولة تكرس إزدواجية القضاء وتعزز حماية المواطن ضد التعسف المحتمل في إستعمال الحق من طرف السلطات العمومية لا سيما عبر حق المواطن في الطعن ضد قرارات السلطة الإدارية ... "(2).

الفرع 2:الإطار القانوني لمجلس الدولة :
يجد النظام القانوني لمجلس الدولة قواعده في مصادر متنوعة :
1-الدستور: لاسيما المواد:78/04 ,119 , 143 , 152, 153 (3).
2-القانون : بصفة خاصة القانون العضوي 98 -01 المؤرخ في 30/05/1998 المتعلق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه و عمله الصادر تطبيقا لنص المادة 153 من دستور 96 ويلاحظ أن هذا القانون احتوى 44 مادة , إذ عمد المشرع إلى الإحالة على القانون و التنظيم و النظام الداخلي في عدة مواطن (4) وهذا يتعارض مع نص المادة 153 من الدستور التي نصت على أن القانون العضوي المتعلق بمجلس الدولة يجب أن يحدد تنظيمه وعمله واختصاصاته.
3- التنظيم : نصت المواد 17, 29, 41, 43 من القانون العضوي 98 -01 إلى ضرورة التدخل عن طريق التنظيم لبيان كيفيات تطبيقه , فصدرت عدة مراسيم :
*المرسوم الرئاسي رقم 98 -187 المؤرخ في 30/05/1998 المتضمن تعيين أعضاء مجلس الدولة.
* المرسوم التنفيذي رقم 98 – 261 المؤرخ في 29/08/1998 المحدد للأشكال و الكيفيات المتعلقة بالإستشارة لدى مجلس الدولة .
* المرسوم التنفيذي رقم 98 -322 المؤرخ في 13/10/1998 المحدد تصنيف وظيفة الأمين العام لمجلس الدولة .
----------------
(1): الخطاب المؤرخ في 27/12/1998.
(2): المجلة القضائية العدد 2/98 . ص 167.
(3): كما أن إدراج رأي المجلس الدستوري رقم 6/ر.و.ع/م.ب /98 المؤرخ في 19/05/1998 المتعلق بمراقبة مطابقة القانون العضوي الخاص باختصاص مجلس الدولة وتنظيمه وعمله للدستور ضمن الإطار الدستوري لمجلس الدولة وقد أبدى المجلس الدستوري هذا الرأي طبقا للفقرة الثانية من المادة 115 من دستور 96 . خلوفي رشيد المرجع السابق ص 136 .
(4):أ.د. محمد الصغير بعلي . المرجع السابق . ص 30 .

4-النظام الداخلي : الذي يعده مكتب مجلس الدولة والذي يعتبر ضمانا لاستقلاليته و احتراما لمبدأ الفصل بين السلطات كما يعد وسيلة قانونية لعمل و تسيير المجلس .
الفرع 3: تبعية مجلس الدولة للسلطة القضائية :

مجلس الدولة الجزائري يوجد مقره بالعاصمة مع جواز نقله إلى مكان آخر ضمن الأحكام المتعلقة بالمادة 93 من دستور 96 (1) وهو يتمتع بالإستقلالية عن السلطة التنفيذية وهذا ما نستشفه من المادتين 138 و 152 من دستور 96 , و كذلك المادة 02 من قانون 98 -01 السالف ذكره والتي تؤكد إستقلالية مجلس الدولة خاصة حينما يمارس اختصاصاته القضائية , وهو تابع بذلك للسلطة القضائية خلافا لمجلس الدولة الفرنسي التابع للجهاز التنفيذي مثله مثل مجلس الدولة المصري , التابع لوزارة العدل وسنتوسع في تبعية المجلسين عند دراسة النظام القانوني للأعضاءو برر إلحاق مجلس الدولة بالسلطة القضائية عندما عرض وزير العدل مشروع القانون العضوي رقم 98-01 على الحكومة كون هذا الإختيار يشكل مرحلة إيجابية لتكريس مبدا الفصل بين السلطات ومن ثم توطيد السلطة القضائية في دور حماية المجتمع و الحريات (2) , وقد كرر هذا التبرير في بيان الأسباب لمشروع القانون 98 -01 و تجسيدا للإستقلالية الوظيفية لمجلس الدولة , اعترف له بالإستقلالية المالية (3) وكذا الإستقلالية في مجا ل التسيير بموجب المادة 13 من القانون 98-01 .يعد المجلس تقريرا عن حصيلة نشاطاته و قراراته إلى رئيس الجمهورية
بعد إعطاء لمحة عن نشأة مجلس الدولة الجزائري وإطاره القانوني , نلاحظ تميزه عن مجلس الدولةالصري سواءا من حيث المفهوم اومن حيث استقلالية مجلس الدولة الجزائري عن السلطة التنفيذية و تبعيته للسلطة القضائية تماشيا مع النصوص الدستورية في ظل اختيارات و ظروف تتعلق بكل دولة على حده.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق